السيد هاشم البحراني

531

البرهان في تفسير القرآن

فقال بخت نصر : لأقتلن بني إسرائيل أبدا حتى يسكن هذا الدم . وكان ذلك الدم دم يحيى بن زكريا ( عليه السلام ) ، وكان في زمانه ملك جبار يزني بنساء بني إسرائيل ، وكان يمر بيحيى بن زكريا ، فقال له يحيى : اتق الله - أيها الملك - لا يحل لك هذا . فقالت له امرأة من اللواتي كان يزني بهن حين سكر : أيها الملك اقتل يحيى . فأمر أن يؤتى برأسه ، فأتي « 1 » برأس يحيى ( عليه السلام ) في طست ، وكان الرأس يكلمه ، ويقول له : يا هذا ، اتق الله ، لا يحل لك هذا . ثم غلى الدم في الطست حتى فاض إلى الأرض ، فخرج يغلي ولا يسكن ، وكان بين قتل يحيى وبين خروج بخت نصر مائة سنة . ولم يزل بخت نصر يقتلهم ، وكان يدخل قرية قرية ، فيقتل الرجال والنساء والصبيان ، وكل حيوان ، والدم يغلي حتى أفناهم ، فقال : بقي أحد في هذه البلاد ؟ فقالوا : عجوز في موضع كذا وكذا . فبعث إليها فضرب عنقها على الدم فسكن ، وكانت آخر من بقي . ثم أتى بابل فبنى بها مدينة ، وأقام وحفر بئرا ، فألقى فيها دانيال ، وألقى معه اللبوة ، فجعلت اللبوة تأكل « 2 » طين البئر ، ويشرب دانيال لبنها ، فلبث بذلك زمانا . فأوحى الله إلى النبي الذي كان في بيت المقدس : أن اذهب بهذا الطعام والشراب إلى دانيال ، وأقرئه مني السلام . قال : وأين دانيال ، يا رب ؟ قال : في بئر ببابل في موضع كذا وكذا . فأتاه فاطلع في البئر ، فقال : يا دانيال ؟ فقال : لبيك ، صوت غريب « 3 » . قال : إن ربك يقرئك السلام ، وقد بعث إليك بالطعام والشراب . فدلاه إليه - قال - فقال دانيال : الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ، الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه ، الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه ، الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره ، الحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا ، الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة ، الحمد لله الذي يكشف ضرنا عند كربتنا ، الحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منا ، الحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننا بأعمالنا » . قال : « فرأى بخت نصر في منامه « 4 » كأن رأسه من حديد ، ورجليه من نحاس ، وصدره من ذهب - قال - : فدعا المنجمين ، فقال لهم : ما رأيت في المنام ؟ قالوا : ما ندري ، ولكن قص علينا ما رأيت . فقال : أنا أجري عليكم الأرزاق منذ كذا وكذا ، ولا تدرون ما رأيت في المنام ؟ ! وأمر بهم فقتلوا » . قال : « فقال له بعض من كان عنده : إن كان عند أحد شيء فعند صاحب الجب ، فإن اللبوة لم تتعرض له ، وهي تأكل الطين وترضعه ، فبعث إلى دانيال ، فقال : ما رأيت في المنام ؟ قال : رأيت كأن رأسك من حديد ، ورجليك من نحاس ، وصدرك من ذهب . فقال : هكذا رأيت ، فما ذاك ؟ قال : قد ذهب ملكك ، وأنت مقتول إلى ثلاثة أيام ، يقتلك رجل من ولد فارس » .

--> ( 1 ) في المصدر : فأتوا . ( 2 ) في المصدر زيادة : من . ( 3 ) في « ط » نسخة بدل : بصوت غريب . ( 4 ) في المصدر : نومه .